محمد محمد أبو ليلة

202

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي

كتبوا لأنفسهم مصاحف التزموا فيها بترتيب النزول ، كالإمام على ، إذ أن مصحفه يحتوى على الترتيب التالي : " اقرأ ، ثم المدثر ، ثم المزمل ، وهكذا ؛ وقع هذا من على وغيره قبل أن يعرف الترتيب التوقيفى للقرآن ؛ لكنه لما عرفه أخذ به مثل سائر الصحابة « 1 » رضوان اللّه عليهم . وبقيت المصاحف الأخرى مصحف عبد اللّه بن مسعود ، ومصحف أبىّ ، لمجرد البحث في تاريخ القرآن . ومن المفيد نقل هذا الاعتراض والرد عليه وهو لصاحب مقدمة كتاب المباني " كيف صح قولكم أن القرآن مرتب في اللوح المحفوظ على هذا الترتيب ؟ وأن الصحابة لم ترتبه بأنفسها ؟ ؛ وقد انتشرت الأخبار أن أول ما نزل على النبي صلى اللّه عليه وسلم : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ( 1 ) ، وقوله : يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ( 1 ) . وقالوا : إننا وجدنا مصاحف عتقا مفرّقة في البلاد منسوبة إلى عبد اللّه بن مسعود على خلاف هذا الترتيب الذي في أيدينا ؛ فكيف يجوز مع هذا الخلاف الظاهر أن يدّعى أن هذا الترتيب متفق عليه ؟ قلنا : إنه قد روينا فيما تقدم عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى : إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ( 1 ) ، يعنى أن اللّه عز وجل أنزله جملة إلى سماء الدنيا ، ثم كان ينزل منها نجوما السورة بعد السورة ، والآية بعد الآية على حسب الحاجة إليه وإلى معرفة أحكامه ، وتعليمه ، وترتيبه ، ومعرفة موضع كلماته وسوره . ومثال هذا في الشاهد أن تعلم المبتدئ ، أنه يبتدئ بتلقينه من أول القرآن ، وربما يبتدئ من آخره ، وقد يبتدئ من وسطه سورا متفرقة من القرآن على حسب رغبة المبتدئ ، وحرصه واحتياجه إلى تعلمه ؛ ثم لا تأمره بأن يحفظ على هذا الترتيب الذي لقّنه ، بل تأمره أن يضع كل سورة منها في موضعها عند الحفظ والجمع والدراسة والتلاوة . كذلك كان جبريل عليه السلام ينزل على النبي صلى اللّه عليه وسلم الآية بعد الآية ، والسورة بعد السورة على حسب الحاجة كما تقدم عن ابن عباس وأبي بن كعب . يدل على هذا الذي ذكرنا أن مصاحف كثيرة قد وجدت وهي متفقة غير مختلفة بحمد اللّه ومنّه . ثم يسوق المؤلف رحمه اللّه رواية عن محمد بن كعب القرظي يقول فيها : " رأيت مصاحف ثلاثة : مصحفا فيه قراءة ابن مسعود ، ومصحفا فيه قراءة أبىّ ، ومصحفا فيه

--> ( 1 ) الإتقان 1 / 176 والبخاري . خلق أفعال العباد ضمن عقائد السلف ص 209 .